يحيى العامري الحرضي اليماني

555

غربال الزمان في وفيات الأعيان

بناء بعض التجار أهل الحل . وحج به أبوه سنة إحدى وخمسين ، قال والده : فلم تفارقه الحمى إلا يوم عرفة وما تضجر ، وسمع من الرضي بن برهان الدين بن خالد ، وشيخ الشيوخ عبد الحميد الحموي ، والكمال الإربلي ، وأكثر انتفاعه عليه . وقرأ الأمهات الخمس وابن ماجة والدارقطني وشرح السنة ومسندي الشافعي وأحمد . وممن أخذ عنه علاء الدين العطار وأبو الحجاج المري ، ومحيي الدين الدرعي ، وشمس الدين بن النقيب وهو آخر من بقي من أعيان أصحابه ، وخلق كثير . قال اليافعي : منهم جبريل الكردي الشيخ الصالح قال : وسمعت عليه ( الأربعين ) . قال : وكان رحمه اللّه يصدع بالحق ، ويواجه الأمراء والملوك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ أنكر مرة على الملك حتى أغضبه وهمّ أن يبطش به ، فوقاه اللّه شره ، ثم قبل منه وعظمه ، وكان الملك الظاهر بيبرس يقول : أنا أفزع منه . وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية ولم يتناول من معلومها شيئا بل يقتصر على ما يبعث به إليه أبوه ، وبورك له في أوقات عمره القصير ، فوسع قراءته وإقراءه وتصنيفه الواسع ، مع حظ وافر في الأوراد والعبادة من صيام دائم وعمل منتظم . وفضائله كثيرة شهيرة ، وقد ألف فيها ابن العطار جزءا وقفت عليه ، فذكر فيه من الفضائل ما لا يحصى ، وفيه مراث كثيرة رثاه بها الأعيان من العلماء . قال اليافعي : وله من الفضائل ما لا يعرف لسواه إلا أن يكون ابن عجيل ، وقل أن يوجد لهما ثالث فيما اتصفا به من المحاسن في صغر سنهما . ومن المشهور أنه كان يقتدي في التصوف بالشيخ الكبير ياسين المزين ويقبل إشارته . وحكي عنه أنه أشار عليه قريب موته برد ما عنده من الكتب المستعارة وزيارة أهله بنوى ؛ ففعل ، وودع من بقي من مشايخه ، ثم توفي عندهم في الرابع والعشرين من رجب وفي لحيته شعرات بيض . قال اليافعي : رأيته في النوم ، ودعا لي فقال : وفقك اللّه وزادك فضلا وثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . قال : وبلغني أنه كان يبكي بالليل وينشد : لئن كان هذا الدمع يجري صبابة * على غير ليلى فهو لا شك ضائع نفعنا اللّه به .